الشنقيطي
308
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قيل : معاذ اللّه بل هو مستو على العرش كما أخبر في كتابه ، فقال : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ( 5 ) [ طه : 5 ] وقال تعالى : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [ فاطر : 10 ] وقال : أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ [ الملك : 16 ] . ولو كان في كل مكان ، لكان في جوف الإنسان ، وفمه وفي الحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها ، تعالى عن ذلك ، ولوجب أن يزيد بزيادة الأماكن إذ خلق منها ما لم يكن خلقه ، وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان . ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض وإلى وراء ظهورنا وعن أيماننا وشمائلنا . وهذا ما قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله ، إلى أن قال رحمه اللّه : ولا يجوز أن يكون معنى استوائه على العرش هو استيلاؤه عليه كما قال الشاعر : قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق لأن الاستيلاء هو القدرة والقهر ، واللّه تعالى لم يزل قادرا قاهرا عزيزا مقتدرا . وقوله : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ [ الأعراف : 54 ، يونس : 3 ] يقتضي استفتاح هذا الوصف بعد أن لم يكن ، فيبطل ما قالوه . فإن قال قائل : ففصلوا لي صفات ذاته من صفات أفعاله ، لأعرف ذلك . قيل له : صفات ذاته هي التي لم يزل ولا يزال موصوفا بها . وهي الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والبقاء والوجه والعينان واليدان . ا ه محل الغرض منه بلفظه . وقد نقلناه من نسخة هي أجود نسخة موجودة لكتاب التمهيد للباقلاني المذكور . وترى تصريحه فيها بأن صفة الوجه واليد من صفات المعاني كالحياة والعلم والقدرة والإرادة ، كما هو قول أبي الحسن الأشعري الذي قدمنا إيضاحه . واعلم أن إمام الحرمين ، أبا المعالي الجويني ، كان في زمانه من أعظم أئمة القائلين بالتأويل ، وقد قرر التأويل وانتصر له في كتابه الإرشاد . ولكنه رجع عن ذلك في رسالته العقيدة النظامية فإنه قال فيها : اختلف مسالك العلماء ، في الظواهر التي وردت في الكتاب والسنة ، وامتنع على أهل الحق فحواها وإجراؤها على موجب ما تبرزه أفهام أرباب اللسان منها . فرأى بعضهم تأويلها ، والتزام هذا المنهج في آي الكتاب وفيما صح من سنن النبي صلى اللّه عليه وسلّم .